عبد الشافى محمد عبد اللطيف

36

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

لقد أطلعت في توضيح صلة أهل المدينة بصفة عامة ببني أمية ومحمد بن إسحاق بصفة خاصة ، لأن العلاقات السياسية كانت ذات تأثير على معظم أوجه الحياة ، ورضا رجال السياسة عن العلماء كان يعطيهم فرصة أكبر في حرية الحركة والتجوال في البلاد وزيارة المراكز العلمية . وتصديقا لذلك ما إن سقطت دولة بني أمية ( سنة 132 ه‍ ) وقامت دولة بني العباس حتى رأينا ابن إسحاق يشد رحاله مغادرا المدينة - التي لم يكد يبرحها قرابة نصف قرن - إلى العراق ، ويتجول في أرجائها من الكوفة إلى الجزيرة ، وأخيرا يلقي عصا تسيارة في المدينة المدورة أو مدينة السلام أو مدينة المنصورة - بغداد - تلك المدينة التي أخذت - منذ نشأتها سنة ( 145 ه‍ ) - تخلب الألباب وتخطف الأبصار فهي مقام الخلافة ، وحاضرة الإسلام ، ومركز الأضواء والشهرة ، ومقر العلماء والشعراء والأدباء ، فليس غريبا أن يطيب المقام لابن إسحاق في مدينة لها كل تلك المميزات . وقد اتصل ابن إسحاق - لعلمه وشهرته - بقمة الدولة ورأس الهرم الاجتماعي ، والخليفة الذائع الصيت ، ومؤسس بغداد ، بل المؤسس الحقيقي للدولة العباسية - أبي جعفر المنصور - وتوثقت الصلة بين الرجلين ، حتى أشيع أن كتاب المغازي - أو ما عرف بسيرة ابن إسحاق وهو سبب شهرته - قد وضعه بناء على طلب المنصور لابنه محمد الذي سيعرف بالخليفة المهدي فيما بعد . وقد عاش ابن إسحاق ما تبقى من حياته في كنف الخليفة المنصور في بغذاد حتى وافته منيته ( سنة 151 ه‍ ) على أرجح الأقوال . * علاقة محمد بن إسحاق بمالك بن أنس وهشام بن عروة : لا يكتمل الحديث عن ابن إسحاق إلا إذا عرفنا تلك الشخصية من مختلف جوانبها وفي كل أحوالها ، خاصة علاقته برجلين من كبار رجالات المدينة المنورة ، ومن ذوي النفوذ العلمي والكلمة المسموعة فيها ، وهما : مالك بن أنس الأصبحي الإمام المشهور ورأس المذهب الفقهي المعروف الذي ينسب إليه ، وثانيهما هو : هشام بن عروة بن الزبير بن العوام ، فمعظم المصادر التي تناولت حياة ابن إسحاق وترجمت له تحدثت عن خلاف وقع بينه وبين كل من مالك بن أنس وهشام بن عروة . ولقد بالغ بعض الباحثين المحدثين ( 1 ) في أمر ذلك الخلاف حتى جعلوه أحد

--> ( 1 ) انظر المغازي الأولى ومؤلفوها ، مرجع سابق ( ص 78 ) .